Image Here
محاكمة برلمانية لتواطؤ الحكومة البريطانية مع جرائم الإبادة الإسرائيلية في فلسطين
  • 19 شعبان 1447هـ الموافق 2026/02/07
  • 6:48 PM
  • 0

متابعات: يمن برلمنت
نجح مسعى أنصار فلسطين في مساءلة بريطانياأمام برلمانها بتهمة التواطؤ مع جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبعد جلسة برلمانية فريدة عقدت الخميس الماضي، كُتب في وثائق مجلس العموم (البرلمان) أن عشرات النواب من مختلف الأحزاب السياسية والمستقلين سجلوا رفضهم للسياسة "المخزية" التي يصرّ عليها حزبا العمال الحاكم والمحافظين المعارض تجاه الاحتلال في فلسطين.
وفي الجلسة غير المسبوقة برئاسة نائبة رئيس البرلمان، نصرت غني، التي حضرها نحو ستين عضواً، أنكرت الحكومة الاتهام، وأيّدتها في ذلك المعارضة. الجلسة التي استمرت 95 دقيقة تقريباً، وشهدت مداخلات من 26 عضواً، استنكر 23 منهم تواطؤ بلادهم مع الإبادة، خاصة في غزة، ووصفه بعضهم بـ"العار". وحضر الجلسة، التي عقدت بعد أربعة أيام من مسيرة حاشدة مؤيّدة لفلسطين في لندن، وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية، هاميش فالكونر، ممثلاً للحكومة، وويندي مورتن، التي تشغل المنصب نفسه في حكومة الظل المحافظة.
وقاد النقاش عضو الحزب الوطني الإسكتلندي بريندن أوهارا، الذي كان صاحب الدعوة لعقد الجلسة، وهي الأولى من نوعها منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. أكد أنه "لا يمكن لأي شخص عاقل أن ينكر أن ما شهدناه في غزة خلال العامين ونصف العام الماضيين يشكل إبادة جماعية".
واستهجن أوهارا إصرار بريطانيا على توسيع معايير الإبادة الجماعية للتمكين من محاسبة مرتكبي الجرائم في ميانمار، بينما تصر على تمييعها في ملف غزة. وتساءل: "إذا كان من المناسب للمملكة المتحدة التدخل لحماية الأطفال من قنابل ورصاص جيش ميانمار، فلماذا لا يكون من المناسب لها التدخل لحماية الأطفال الفلسطينيين من قنابل ورصاص الجيش الإسرائيلي؟".
وخلص النائب إلى أن الحكومة البريطانية الحالية والحكومة التي سبقتها "اختارت الانحياز إلى السلطة على حساب العدالة، وسيحكم عليهما التاريخ وفقاً لذلك". وذكّر أوهارا بتصريح وزير الأمن الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، المطلوب الآن لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية في غزة، والذي قال فيه: "نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقاً لذلك". وتساءل النائب: "ألم يُثر ذلك في الحكومة فكرة احتمال وجود خطر جسيم للإبادة الجماعية".
 ووسط همهمات النواب الممتعضة، وافق على مطلب النواب بضرورة تقييم الأمر لتحديد خطر وجود الإبادة.
وعلق النائب عن الحزب الوطني الإسكتلندي، غراهام ليدبيتر، بأن لدى إسرائيل النية في إبادة الفلسطينيين. وقال عندما يصف القادة الإسرائيليون الفلسطينيين بـ"الحيوانات البشرية" ويتحدثون عن "تسوية غزة بالأرض"، ثم يدمرون 19 مستشفى ويمنعون وصول المساعدات الأساسية، فإن الاستنتاج المنطقي الوحيد هو "وجود نية لإبادة" الفلسطينيين. وأضاف النائب عن حزب العمال، أندي ماكدونالد، دليلاً قانونياً آخر يثبت وقوع إبادة جماعية. ونقل عن قاضية محكمة العدل الدولية، جوان دونوهيو، قولها إن المحكمة وجدت "خطراً حقيقياً ووشيكاً يتمثل في حدوث ظلم لا يمكن إصلاحه لحقوق الفلسطينيين بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية".
وسأل ماكدونالد الوزير البريطاني مستنكراً: "ما الأدلة المطلوبة للاعتراف بخطر الإبادة الجماعية إذا لم تكن محكمة العدل الدولية ولا لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة كافية؟". ووصف النائب عن حزب المحافظين، كيت مالتهاوس، موقف الحكومتين الحالية والسابقة من الحرب على غزة بأنه "مخز". وقال إن "الكثيرين منّا هنا بسبب شعور عميق بالخزي. خزي من الطريقة التي تصرفت بها الحكومة السابقة وهذه الحكومة طوال هذه القضية".

كما وصف صمت حكومته على مقتل مواطنين بريطانيين في الأراضي المحتلة برصاص الجيش الإسرائيلي بـ"التخلي الشنيع عن الواجب". ووجه رسالة إلى الوزير هاميش فالكونر وحكومته قائلاً: "لقد آن الأوان لأن يُدرك الوزير ورؤساؤه أن التاريخ لا يحاسب الحكومات على أفعالها فحسب، بل على ما تسمح به أيضاً".
ونبهت النائبة عن حزب العمال، روبا حق، إلى أن مجرد وجود خطر الإبادة الجماعية يزيد من التزامات بريطانيا بموجب اتفاقية عام 1948 لمنع الإبادة الجماعية أو المخاطرة بالتواطؤ. وعبرت عن اعتقادها بأن السماح لبعض أطفال غزة بالعلاج في بريطانيا واستقبالها عدداً من الطلاب لا يعفيها من المسؤولية. ووجهت كلامها إلى الوزير قائلة إن "المجاعة إبادة جماعية"، مشيرة إلى أن حكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو لم تكن ترغب في وقف الحرب. وقالت: "حتى مفاوضو وقف إطلاق النار تعرضوا للقصف في قطر".
وأعلن حزب الديمقراطيين الأحرار بوضوح أن إسرائيل ارتكبت جرائم إبادة بحق الفلسطينيين. وقالت النائبة عنه، سوزان موراي، إن حزبها "يؤكد بوضوح أن الحكومة الإسرائيلية ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وأن المسؤولين عنها يجب محاسبتهم". وطالبت بريطانيا بتحمل مسؤوليتها في حماية سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعن حزب العمال، قال النائب بريان ليشمان، إنه "عار على أي حكومة، أو حزب، أو دولة سمحت بهذه الفظائع المروعة وتواطأت فيها". وأيده النائب العمالي ستيف وزيردين قائلاً: "إذا أضعفت الحكومة التزامها بالقانون الدولي من أجل تأمين اتفاقية تجارية، فسيكون ذلك أمراً مخزياً بكل صراحة".
وشنت النائبة فلور أندرسون، من حزب العمال، هجوماً حاداً على موقف الحكومة البريطانية الرافض لحظر التجارة مع المستوطنات اليهودية التي تعتبرها بريطانيا غير شرعية. وقالت إن هناك "مبرراً قوياً" يدعو الحكومة إلى حظر التجارة مع المستوطنات. وأكدت أنه "لا حاجة إلى أي حكم قضائي إضافي لتحقيق ذلك". ولفتت إلى أنه رغم أن الاهتمام العالمي انصب على غزة، فإن التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والعنف ما زالت مستمرة في الضفة والقدس.

غير أن النائب المستقل، عدنان حسين، رد قائلاً إن آراء المقررين الخاصين والخبراء المستقلين ولجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أكدوا وقوع جرائم الإبادة. وقال: "إنها إبادة جماعية، ولم تكن محكمة العدل الدولية وحدها من صاغت هذا الرأي".

وذكّر النائب المستقل وزعيم حزب العمال السابق، جيرمي كوربن، بتاريخ بريطانيا في دعم وتأسيس محكمة العدل الدولية في عشرينيات القرن الماضي. وقال: "نحن نفخر بكوننا حماة القانون والنظام الدوليين، (لكن) هذه الدولة تُورِّط نفسها في إبادة الشعب الفلسطيني بتزويد إسرائيل بالأسلحة". وطالب بوقف هذا الآن. وانتقدت النائبة العمالية لينسي فارنسورث معايير بريطانيا المزدوجة في التعامل مع العدالة الجنائية الدولية. واستنكرت "عجز" الحكومة البريطانية عن رؤية ما تراه الأمم المتحدة. وتساءلت: "لماذا تقبل (الحكومة) تقارير الأمم المتحدة بشأن أوكرانيا، ولا تقبلها بشأن غزة؟".
 
". غير أن النائب عدنان حسين رد على وزير الخارجية الذي انكر حدوث جرائم مطالباً الحكومة بأن تكون شفافة في التعامل مع البرلمان في قضية تقييمها لخطر الإبادة في الأراضي الفلسطينية. وقال إن المحاكم البريطانية "لا تملك الأسس اللازمة لاختبار ما إذا كانت الحكومة قد أحسنت التصرف في هذا الشأن".

وأكد أن البرلمان يتحمل مسؤولية "تقييم مدى صحة موقف الحكومة". وطالب الوزير بالكشف على التفاصيل بشأن المنهجية المتبعة في التقييم، والشخصيات التي أجرته، ومتى وأين تم هذا التقييم. تجاهل الوزير الطلب، لكنه قال إن محكمة العدل الدولية لم تصدر بعد حكماً بوقوع إبادة جماعية، مشيراً إلى أنها أصدرت فقط أوامر مؤقتة. وأوضح: "سيكون للمحكمة وحدها الحق في إصدار حكمها"، وأقر بأنه "من واجب الحكومة النظر في التزاماتها وتقييم المخاطر"، مؤكداً أنها فعلت ذلك.
وفي محاولة لإقناع البرلمان بأن سياسة حكومة العمال الحالية تختلف عن سياسة المحافظين، قال الوزير إن حكومته اعترفت بدولة فلسطين. وأضاف أنه أعلن أمام البرلمان فرض عقوبات على شخصيات إسرائيلية من بينها وزراء. غير أنه أقرّ بأن التزام حكومته ببذل كل ما في وسعها للتصدي للفظائع في غزة لم يتنه. وفي نهاية الجلسة، أعلنت نائبة رئيس المجلس موافقة الأعضاء الحاضرين على مذكرة تطالب الحكومة بضرورة إجراء تقييم لمخاطر ووقوع جرائم إبادة إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.