
عبدالرحمن جلب.. رحل الإنسان وبقي الأثر
عبدالرحمن جلب.. رحل الإنسان وبقي الأثر
- 23 ربيع الأول 1448هـ الموافق 2026/09/05
- 12:39 PM
- 0
رحل الهلال، وبقي الأثر؛ رحلت ضياء الشمس، لكنها أبقت شيئًا من دفئها ينشر النور في نفوس البشر.
هكذا هو رحيل بعض الرجال؛ يغيبون عن أعيننا، لكن حضورهم يظل ممتدًا في القلوب والذاكرة، وتبقى حكاياتهم حية، مهما تعاقبت الأيام والسنون.
تعود الذكريات لتستحضر حكايات مضت بالأمس القريب، لكنها بقيت راسخة في نفوس وقلوب وذاكرة كل من مر عليه طيف من أطياف الخير، أو تسللت إليه أشعة العطاء في ليلة حالكة. كانت تلك الأشعة تضيء وتحيي نفوسًا عانت شظف العيش وقسوة الظروف.
هكذا أراد الله أن يختص بعض عباده بخصال عظيمة؛ رجالًا ليسوا بأنبياء ولا رسلًا، لكن أعمالهم جسدت الفضائل، وأبقت على معاني المروءة والشهامة والشجاعة والإقدام والكرم، وأبقت الأمل حيًا في نفوس المنكسرين في هذه الحياة الفانية.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبدالرحمن جلب، رجل الخير والعطاء، الذي جعل من ماله وجاهه وعلاقاته وسيلة لخدمة الناس، بعيدًا عن الشهرة وابتغاء السمعة، ودون أن ينتظر أن يقال: فلان كريم أو فلان محسن.
استمر في مواساة الفقراء والمحتاجين، وفي ليالٍ لا ترقبها أعين الناس، ولا يدرك تفاصيلها حتى أقرب المقربين إليه. وهب نفسه وماله وأبناءه لخدمة الناس، وظل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ولا تقلبات الزمن.
وكان يردد لمن يثق بهم: «نحن موظفون عند أموال الفقراء، نديرها نيابة عنهم لتعود إليهم».
تلك العبارة تختصر فلسفة رجل لم يكن يرى ما في يده ملكًا خالصًا له، بل أمانة ومسؤولية تجاه من يحتاجون إليه.
لقد ترك عبدالرحمن جلب عناوين مميزة في عالم قد يعتريه النسيان، لكن صنيعه في آلاف الناس حُفر عميقًا في الذاكرة، وأصبح من الصعب نسيانه أو تجاوز تلك المفردات الإنسانية الجميلة التي جسدها في حياته.
ويوم رحيله، بكت القلوب قبل العيون، وحضر جنازته المهيبة جمع كبير جاء ليشهد على محبة رجل بسيط في تعامله، كبير في عطائه، حسن في معاملته للآخرين.
ولهذا، فإن كل من حضر جنازته كانت له معه حكاية، بل ألف حكاية، وموقف، بل ألف موقف. وكل واحد يروي عبدالرحمن من زاوية تعامله معه في القضايا الاجتماعية والإنسانية والخيرية. كثيرون يحكون، والعبرات تنهمر من أعينهم كالسيل، تعبيرًا عن وفاء صادق وحب خالص لا يخالطه رياء ولا تزلف ولا نفاق.
تعامل عبدالرحمن مع الناس بسجيته البسيطة والصادقة، فأجبر الجميع على أن يكونوا تلاميذ في مدرسة كان أستاذها ومديرها عبدالرحمن يحيى عبده جلب.
وهذه نماذج من إنسانية الإنسان التي تبقى في الذاكرة.
أما بالنسبة لي شخصيًا، فإن الأخ العزيز عبدالرحمن جلب يعني لي الكثير في حياتي، وتتفرع عناوين علاقتي به بين أخ وجار وصديق ونديم. جمعتنا أيام وليالٍ كان فيها النقاء والمرح، وأحيينا معًا مناسبات مختلفة في منزله العامر بالخير والسعادة.
نعم، كان مجلس الأخ عبدالرحمن جلب منتدى مفتوحًا للجميع، دون استثناء، لا يحتاج إلى ترتيب مسبق، ولا إلى رعاية معلنة، ولا إلى يافطات تعلق على الجدران. كانت البساطة وحدها عنوان ذلك المنتدى الذي جمع بين النقاش العلمي والثقافي والاجتماعي والسياسي أحيانًا، والرياضي في أحيان أخرى.
وهنا أتوقف لأستعيد معكم تلك الفرحة العارمة التي صنعها عبدالرحمن جلب يوم استقبل المنتخب الوطني للناشئين واستضاف أفراده. والأجمل من ذلك مشاركته في الاحتفاء بهم؛ فعلى دقات الطبول والطاسات، كان عبدالرحمن يتوشح جنبيته، ويكون في مقدمة حافلة المنتخب، مبتهجًا، ينثر السعادة يمينًا وشمالًا، ويردد بأعلى صوته:
«بالروح بالدم نفديك يا يمن».
وكان الجميع يردد خلفه، كأنه قائد قوي وربان ماهر، يضبط الإيقاع بين ما يقوله وخفقان القلوب، وبين تقاسيم وجهه التي كانت تحمل كل تقاسيم الوطن اليمني الكبير.
ذلك هو عبدالرحمن جلب؛ اسم وعلامة مميزة، تسبق كل العلامات التجارية بحسن خلقه، وبساطة تعامله، وصدق توجهه، وحبه للآخرين، ووقوفه إلى جانب القريب والبعيد.
كان عنوانًا للعطاء غير المشروط، ذلك العطاء الذي لا يتبعه منٌّ ولا أذى.
آه من رحيلك المفاجئ يا أعز وأصدق وأنبل وأكرم من عرفت!
ذهبت إلى بارئك، وأبقيت فينا حسرة الفراق وأنينًا لا تسكته الأيام ولا السنين، لأنك أنت وحدك من ملك القلوب ومشاعر الآخرين بتعاملك الراقي، ومراعاتك لكل النفسيات، وكأنك طبيب ماهر يجيد كتابة الوصفات الدوائية لكل عليل، فيسعى إلى شفائه بإذن الله.
لروحك الطاهرة السلام، ولسيرتك العطرة ألف ألف كتاب.
وداعًا أخي عبدالرحمن، وإلى لقاء يتجدد في عالم آخر، أكثر نقاءً وسعادةً وصدقًا؛ عالم يليق بك وبمن سار على نهجك، وفي مدرستك التي عركتها الحياة، وبقيت أنت عنوانها.
وداعًا يا أبًا للأيتام والفقراء والمساكين.
وداعًا يا من رحلت وتركت في قلوبنا حسرة لن ننساها أبد الدهر. وعزاؤنا في كل ذلك رضا الله تعالى أولًا، ثم إجماع كل من عرفك على طيب سريرتك وحسن تعاملك، لتبقى أنت أنت، متربعًا على قلوبنا طوعًا ومحبة.
رحمك الله يا فقيد الوطن.
وعزاؤنا موصول إلى أخيك ورفيق دربك الصادق الصدوق، الشيخ أحمد جلب، وإلى طيب الذكر الشيخ الرياضي علي جلب، وأخيكم محمد جلب، وإلى أبنائك النجباء، الذين نثق أنهم سيواصلون السير على نهجك، ليبقى أثر الآباء متصلًا بالأبناء، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والسلام ختام.
المحب، جارك
وكما يقال جارك القريب، ولا أخوك البعيد ، وهي الصفة التي طبقتها عمليًا، وأنا على ذلك من الشاهدين.